يقصده الكثيرون، ومن مختلف أصقاع البحرين، بل وحتى من خارجها... أعمارهم تمتدُّ من الخامسة عشرة وحتى الثمانين، ومستوياتهم الاجتماعية والفكرية متباينة... يعتقدون أنَّه يخفِّف آلامهم، ويخلِّصهم من الأوجاع التي غزت جسومهم... إنَّه فرهاد بهرام أكبر، اسم مشهور في عالم (الحجامة)، التي قدَّر هو ممتهنيها بـ 200 شخص من الطائفتين الكريمتين في البحرين، بينهم 15 امرأة، على رأسهن الدكتورة سمية الجودر، التي لها باع طويل في هذا المجال... “البلاد” اختارت الدخول إلى هذا العالم، ومحاولة التعرُّف إليه عن قُرب، فزارت (فرهاد) في منزله، ودخلت إلى غرفة العمليَّات، وحاورته، وسألت حاضري مجلسه...
البداية...
دخل فرهاد هذه المهنة بعد أن رأى وتأكد من فائدتها، وتيقَّن من جدواها ومفعولها (حسب قوله طبعًا)، فعندما كان في الثانية والعشرين من عمره، كان يعاني من مرض الشقيقة (الصداع النصفي)، وظل يصارع الألم والمعاناة وقتًا طويلاً، ولم تفلح المحاولات الطبيَّة في تخليصه منها... وفي أحد الأيام، وبينما هو يمشي في السوق، والألم قدّ هدَّ قواه، التفت إليه شيخ كبير اسمه الحاج حسن العسكري (وكان حجَّامًا)، فنصحه بالحجامة، فلم يعارض ذلك فرهاد؛ إذ إنَّ الألم جعله مستعدًّا لفعل أيِّ شيء قد يخلِّصه مما هو فيه من معاناة... (حَجَم) الحاج حسن العسكري فرهاد في موضعين من رأسه... لم يصدِّق فرهاد ما حدث... فالألم قد زال، ونجح الحجَّام العسكري فيما فشل فيه الجميع...
منذ ذلك اليوم، تعرَّف فرهاد إلى الحجامة، وعرف قيمتها، فقرَّر التردُّد على الحاج حسن العسكري للاحتجام...
في عمر السابعة والعشرين، قرَّر فرهاد أن يتعلَّم هذه المهنة التي تكاد تندثر... بدأ بالمراقبة... كان يراقب الحاج حسن العسكري بتمعُّن لمدة طويلة، حتى قرَّر تجريبها عمليًّا، فبدأ بنفسه، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يجري فيها الحجامة، ومنها كانت البداية ونقطة الانطلاق في رحلة جاوزت الـ30 عامًا في المهنة...
كانت أسرته أول من تعالج على يده، وهكذا بدأت تتّسع الدائرة، من الأسرة إلى الأقارب فالأصدقاء وهكذا... كانت النتائج تبهر فرهاد، وتشجِّعه على الاستمرار في هذا المجال، والبحث عن المزيد فيه.
الاحتراف...
فرهاد المهندس الكهربائي في وزارة الداخلية سابقًا، تحوَّل من متعلِّم إلى متمرِّس، ثم إلى معلِّم للحجامة... فهو مثابر ومجدٌّ في اكتساب المهنة على أصولها، ما دفعه إلى السفر والتعلُّم والاطلاع، فيمَّم ناحية لبنان، ثم إلى الهند، فإيران، ليتعلَّم على يد خبراء وفي عيادات متخصِّصة عن العلاج بالحجامة، وفوائدها، وطرقها، وأدواتها...
تتزاحم في مكتبته الكتب العلمية والطبية والدينية، التي يستقي منها علومه في طب الحجامة/الطب البديل، الذي له مريدوه، ليس للعلاج فقط، بل والوقاية كذلك...
ملفاته، أدواته، خفَّة يده، عمله المنظم، ومكان عمله، كلُّ ذلك يوحي بالخبرة والدقة... فلكل مريض ملف خاص يوصِّف الحالة، ويبيِّن الاحتجامات السابقة، والأمراض المزمنة، والمرحلة العلاجيَّة التي وصل إليها... بيانات كثيرة لنساء ورجال ضمَّتها أوراق تلك الملفات... المواعيد بالتعاقب، والاتصالات متتابعة، فلم يهدأ (جوَّاله) طيلة حوارنا معه... يعطي المواعيد بحسب الأوقات التي تُستحسن فيها الحجامة، التي تعتمد على اليوم والشهر ومواقع القمر، بل وأوقات اليوم... والنتيجة 30 عامًا في طب الحجامة، لم يشكُ فيها أحد من آثار سلبيَّة لحجامة فرهاد.
شفاء لكل داء...
فرهاد الذي عالج نفسه من مشكلات في الأربطة في إحدى ساقيه، التي لم تُجدِ العمليات نفعًا معها، يؤكد أنَّه يستطيع أن يعالج 31 مرضًا بالحجامة، وفي 99 موقعًا مختلفًا من الجسم...
يقول فرهاد إنَّه سبق له أنْ عالج كثيرين من أمراض الديسك والتهاب الكبد الوبائي من النوع B، والشلل النصفي أيضًا، كما أنَّه تحدَّى إحدى حالات سرطان الدم، واستطاع أنْ يقلِّل من نسبتها في أحدهم إلى 20 % بعد أنْ كانت 90 %.
علاجات أخرى، نهائية وشبة نهائية، استطاعت الحجامة أنْ تحقِّقها بنجاح، ليرصدها فرهاد في ملفَّاته، ويفاخر بها... والعلم يؤكد نفع هذا الطب القديم الحديث...
5 آلاف شخص تقريبًا يتردَّدون على فرهاد بغية العلاج أو الوقاية، ومن فئات عمريَّة واجتماعيّة مختلفة... يقصده أطباء وممثلون وفنانون وشخصيّات مهمَّة، ومن مختلف الطوائف والمذاهب والأديان...
أصولها...
الحجامة كما يقول فرهاد لها أصولها ووقتها وأيامها، ولا يمكن لأحد أن يجريها في منزله من دون علم ودراية وتدريب، وهي تصلح لمن هم بين الخامسة عشرة والثمانين...
يحترز فرهاد في عمله كلَّ إجراءات السلامة والنظافة، فأدواته مجهزة ومطهرة، ولكلِّ مريض أدوات خاصَّة به، وتلك الاحترازات كانت بيِّنة وواضحة لنا.
غرفة العمليَّات
في مكانه المتواضع، ومحلّ عمله المجهَّز، يضع فرهاد كرسيَّين أحدهما خلف الآخر، متجهيْن ناحية القبلة؛ بحيث يكون ظهر المريض في قبالة فرهاد... يعلِّق فرهاد آيات قرآنية وأدعية مأثورة يطلب من المحتجم قراءتها قبل البدء، ولحظة شروعه في الحجامة...
الأستذة...
بعد أن تمرَّس فرهاد في مهنته، لم يبخل بها على مريديها، ففتح داره للمتعلِّمين، وخرَّج منهم حجَّامين متمرِّسين، إيمانًا منه بأهميّة نشرها بين الناس؛ لتعمَّ الفائدة... ومن جملة الخريجين ابنة فرهاد، فصار بيت فرهاد في الرفاع يستقطب حشودًا من الجنسيْن...
ويرسل فرهاد دعوة عبر “البلاد” إلى كل الفتيات اللاتي يرغبن في التعلُّم، قائلاً إنَّه لن يأخذ عليهنَّ أجرة...
أمنية حقيقيَّة...
يشكو فرهاد من عدم السماح لهم بتسجيل المهنة رسميًّا، وعدم رعايتها من قبل وزارة الصحة، مما جعلها غير منظَّمة ومقنَّنة، فدخلها الكثيرون من المتاجرين بها لأجل الكسب فقط...
ويقول متحدِّيًا: “أنا أستطيع أن أغلق جميع المركز الصحيّة في البحرين، وأعالج الجميع بالحجامة، فلن تكون بعدها حاجة لوجودها أصلاً”...
ويتمنى فرهاد من وزارة الصحة أن توفِّر حجَّامًا في كلِّ مركز صحي لإنقاذ الناس من الأمراض التي تزداد يومًا بعد يوم، ويعلِّق: “الأدوية والعلاجات مكلفة، ولها آثار جانبيّة خطيرة، في حين أنَّ الحجامة أقل كلفة، وأكثر فائدة، وأسرع نتيجة، وهي طب عالمي لجميع الأمراض...
ويختتم فرهاد كلامه بالقول: “إنَّ مهنة الحجامة مسموح بها، لكنَّ وزارة الصحة لا تعطي إجازات وتراخيص لإقامة عيادات خاصة ومراكز متخصصة للحجامة، ونحن نطالب بذلك منذ زمن طويل، وقد أقرَّ العلم الحديث بجدواها، ودحض الادِّعاءات التي قالت إنَّ الحجامة خرافة وهراء”...
التلميذ...
أحمد العسماوي، أحد المتدرِّبين على يد فرهاد، وقضى السنوات الأربع الأخيرة في البحث في علم الحجامة، والاطلاع على التوصيات المأثورة عن النبي (ص) وأهل البيت (عليهم السلام) في هذا المجال... وكلُّ ذلك دفعه إلى التدرُّب عليها بجدٍّ، حتى صار متمرِّسًا...
ويؤكِّد العسماوي الفائدة المستحصلة من الحجامة، “وهذا تأكيد عمليٌّ للمأثور والوارد عن العلماء القدامى وأهل البيت”... وضمَّ العسماوي صوته إلى صوت أستاذه في المطالبة بتسجيل الحجامة رسميًّا...
ماذا قالوا؟
مسعود عبدالرحمن، شابٌّ في مقتبل العمل، التقيناه في منزل فرهاد، جلس بكل شجاعة أمام الحجَّام استعدادًا للحجامة، وذكر لـ”البلاد” أنَّه يجريها للمرة الثالثة، بعد أنْ شعر بحجم الفائدة، بعد شفائه من القولنج، بعد معانة استمرَّت عامين... ويؤكِّد مسعود أنَّ ثمَّة فوائد صاحبت اختفاء القولنج بعد الحجامة، وشعر بها بوضوح... ومن حينها، استمرَّ مسعود في الاحتجام من وقت لآخر.
الحجامة أمر غاية في السهولة بيد متمرِّس كفرهاد، الذي قضى 30 سنة في هذا الطب، وغاية في السهولة لديه أن يعلِّم تلك المهنة، التي علَّمها إحدى بناته لتجريها للنساء اللواتي يتحرَّجن من إجرائها على يد الرجال، كما يسعى فرهاد إلى تدريب غيرها من السيدات... وبدت سهولة الأمر وبساطته لدى أسرة فرهاد بوضوح، حين دخلت علينا الصغيرة شهد (حفيدة فرهاد)، وكانت تنظر لمشاهد الحجامة ببساطة وهدوء... فلم تبدُ وجِلة ولا مرتعبة من منظر الدم وأدوات الحجامة، وأخبرتنا عن والدتها واحتجامها النساء، وأنَّ أمَّها تفعل ما يفعله جدُّها... ومَن يدري، ربَّما ترث أمَّها وجدَّها هذه الصغيرة في مهنة الحجامة في المستقبل...
0 التعليقات :
إرسال تعليق